الحوار يعمل حين يخفي شيئًا
أكثر ما يجعل الحوار ميتًا أن كل شخصية تقول بالضبط ما تقصده. في الحياة نادرًا ما يحدث هذا: نجيب عن سؤال بسؤال، ونغيّر الموضوع، ونصمت في الموضع الذي كان يجب أن نتكلم فيه. حين يسأل الزوج زوجته عن يومها فتردّ بأن الغداء جاهز، فقد قالت شيئًا عن يومها أبلغ من أي وصف. اجعل تحت كل حوار طبقة ثانية: ما تريده الشخصية فعلًا، وما تخشى قوله، وما تظن أن الطرف الآخر يعرفه. الحوار الجيد صراع صغير، فيه من يحاول أن يأخذ ومن يحاول أن يمنع، لا تبادل معلومات مهذّبًا. واحذر أن تجعل شخصيتين تتحدثان عن أمرٍ يعرفانه كلاهما لمجرد إعلام القارئ؛ فالقارئ يشمّ هذه الحيلة فورًا. إن احتاج القارئ معلومة فأوصلها بطريقة أخرى، أو اجعل من يجهلها موجودًا في المشهد بحق.
قال وما بعدها: أفعال القول والحركة
الميل الشائع عند المبتدئين هو الهرب من فعل قال بحثًا عن تنويع: تمتم، زمجر، تنهّد، هدر، صرّح. النتيجة أن القارئ يرى الكاتب وهو يمثّل بدل أن يسمع الشخصية. فعل قال شفاف يمرّ عليه القارئ دون أن يتوقف، وهذه ميزته لا عيبه. استعمله في الغالب، واحتفظ بالأفعال الأخرى للمواضع التي تحمل معنى لا تنقله الجملة نفسها. الأخطر منه إلحاق حال بكل عبارة: قال بغضب، قالت بحزن. إن كانت الجملة تحتاج أن تخبرنا أن قائلها غاضب، فالجملة نفسها ضعيفة وينبغي إصلاحها لا شرحها. البديل الأنفع هو الفعل المصاحب: أن تصف حركة صغيرة قبل الكلام أو بعده، كيدٍ تعبث بحافة الكوب، أو نظرة إلى الباب. هذه الحركات تؤدي وظيفتين معًا: تحدّد من المتكلم دون أن تقول قال، وتضبط إيقاع المشهد فلا يصير عمودًا من الجمل المتلاحقة.
لكل شخصية صوت يمكن تمييزه
امتحان بسيط: احذف أسماء المتكلمين من صفحة حوار وأعطها لقارئ. إن لم يعرف من يتكلم فشخصياتك تتكلم كلها بصوت الكاتب. الفروق التي تصنع التمييز صغيرة ومتراكمة: طول الجملة، ومستوى المفردات، وهل تبدأ الشخصية كلامها بالسؤال أم بالتقرير، وهل تكمل جملها أم تقطعها، وماذا تفعل حين تُحرَج. الموظف الذي قضى عمره في المعاملات يتكلم بلغة النماذج، والجدّة تستعمل الأمثال، والمراهق يختصر. وهنا تواجه العربية سؤالها الخاص: الفصحى أم العامية في الحوار. لكل خيار ثمنه؛ العامية أقرب إلى الأذن لكنها تحدّ من انتشار النص خارج بلدها، والفصحى أوسع لكنها قد تصلب على لسان شخصية بسيطة. الحل الذي يستعمله كثير من الكتّاب هو فصحى مبسّطة قريبة من المنطوق، تحتفظ بإيقاع الكلام اليومي دون معجمه المحلي. المهم أن تختار مستوى وتلتزمه في النص كله.
اختبار المشهد قبل أن تعتمده
بعد كتابة المشهد، اقرأه بصوت عالٍ. أذنك ستكشف ما لا تكشفه العين: الجملة التي لا يقولها إنسان، والمقطع الذي ينقطع فيه النفس، والتكرار الذي لم تلاحظه. ثم جرّب حيلة عملية: احذف السطر الأول من الحوار والسطر الأخير. أغلب المشاهد تبدأ بتحيات وتنتهي بخاتمة مهذّبة يمكن الاستغناء عنهما، والمشهد الأقوى هو الذي يدخله القارئ والكلام جارٍ ويخرج منه قبل أن ينتهي. اختبار ثالث: احسب كم مرة تحصل الشخصية على ما تريد في هذا الحوار. إن حصلت عليه دائمًا فلا توتر، وإن لم تحصل عليه أبدًا فلا حركة. وأخيرًا انظر إلى الصفحة من بعيد ولا تقرأها: هل هي كتلة مصمتة أم فيها بياض؟ الحوار الطويل بلا فواصل من الحركة أو الوصف يتعب القارئ ويجعله يفقد خيط من يتكلم.









